الأحد، 4 يناير، 2009

هدوء نسبي





ما يحدث في غزة يحدث بسرعة جنونية تلهث لها أنفاس الروح. بما أنني إنسان كسول يحب أن يقتل الوقت قبل أن يقتله الوقت مرة وإلى الأبد, نزح فكري – كعادتي- عن محط أنظاري التي كانت تشاهد المتحدث باسم الجهاد الإسلامي على نصف شاشة بينما كان النصف الآخر مخصصا للأشلاء والنحيب التي جناها العدوان اليوم, إلى أمكنة اخرى وتداعيات أخرى.

أنا ونحن خارج غزة نعيش غزة وواقعها وجدانيا بدرجات متفاوتة منذ 9 أيام بينما هناك من يعد لحظات حياته ويعيش موتا متخيلا أو يعيش نصف حياة أو يموت موتا حقيقيا ما بين لحظة سماعه صوت انطلاق الصاروخ حتى لحظة ارتطامه بهدفه.

كم عنيفة هذه اللحظة وكثيفة على الوعي. أتخيل انها تشيه لحظة فقدانك السيطرة على السيارة قبل لحظات من ارتطامك بجدار أسمنتي بينما يتسلل الى وعيك الإدراك انه لم يعد للفرامل أي أهمية وتأثير الآن, ومع ذلك أنت تضغط عليها بكل قوتك. قبل الارتطام بجزء من الثانية ودون ان يكون لك أي علاقة بالأمر تقف السيارة وتنجو أنت, جسديا, لكن روحك تظل عالقة في الحدث تسترجعه وتعيش تفاصيله (كأفكارك قبل الارتطام والشعور الجسدي بالرعب) مجددا ألى ان تتغلب عليه بعد ان تقنع نفسك انه لن يتكرر.

الفرق انك في غزة تعيش هذا الاستنزاف عشرات المرات في اليوم وليس هناك فرامل قد تتيح لك أن تمارس فعل الضغط الجسدي عليها لتمنحك على الاقل وهما من أي نوع كان بالسيطرة على مصيرك أو مصير أولادك وأحبابك.

هل يمكن أن تعتاد الروح بفعل التكرار فتطور ما يسمى "جلدا سميكا" وتصبح الصواريخ مجرد أصوات خارجية لا علاقة لك بها تستطيع ان تتجاهلها كما تتجاهل صوت زمور سيارة عنيد أو صوت غسالة الجيران المسكونة بعفريت في أيام عادية, أصوات هي ليست قائمة أو مهمة أن لم تولها أهتمامك واذا استمريت في دهن الخبز بالمربي و"قحمشته" في الفرن كأن شيئا لم يكن.

ليس تعتاد, ربما تهتريء, تفقد من أطياف لونها فيصبح كل شيء مصبوغا بالرمادي ولا تعود تكترث ان تحطمت على الجدار الاسمنتي...تريد فقط ان يتوقف هذا الجنون لحظة كي تدرك أنفاسك, كي تشرب قهوة على الشرفة, كي تشعر مرة أخرى أنك تكترث أصلا وأنه كان لك في السابق حياة يمكن ان تعيش شظايا منها مرة أخرى....فقط لو حل الهدوء ولو لقليل.

المهم الان ان تنجو....

زياد الرحباني يقول في احدى السكيتشات عن زمن حصار بيروت وقصفها شيء من هذا القبيل:

"كل هاي الصواريخ الي توقعناها وما إجت....مش كان أحسن لو ما توقعناش صاروخ منها...وإجا"


لا أدري... لست هناك في غزة....هو كان هناك عند حصار بيروت...انا شخصيا اصدقه.

الصور في الجزيرة تتواتر بسرعة جنونية وهي الان مهمة لانها قد تحرك العالم والرأي العام. ربما قد ينجح أي تحرك في إعادة الهدوء ولو مؤقتا الى غزة.

ريثما يحدث ذلك, تعالوا نطفيء التلفاز قليلا نحصل على قليل من الهدوء النسبي مع زياد الرحباني في في رائعته الربانية "هدوء نسبي" من ألبومه المثالي الذي يحمل نفس الاسم. أعتقد انها مقطوعة مناسبة جدا لانها كتبت بينما كان زياد يبحث عن هدوء نسبي في اجواء الحرب.

لا أدري لماذا كلما أسمع هذه المقطوعة افهم - حسيا – كيف كنت اتمنى أن اعيش كعربي ...يعني ما هي الثقافة العربية المثالية في مخيلتي والتي لا استطيع ترجمتها الى كلمات أنما فقط أشعر بها عندما أسمعها. تمنحني شعورا بالدفء والراحة والعمق دون تكلف ودون طقوس ورسميات. ربما سأكتب عن ذلك يوما ما. ليس الان.

الان ما نريده القليل من الهدوء النسبي... نفس

يا الله... الان خطر في بالي ان هذه المعزوفة هي بمعنى ما عكس العدوان الاسرائيلي بل عكس الثقافة الاسرائيلية بأجملها.
.
do i make sense at all?

هوشششش....قلنا هدوء نسبي


هناك 8 تعليقات:

الليدي طمطم يقول...

يبدو انك متفائل بعض الشيء بان الراي العام ممكن يجيب شوية هدوء
عزيزي زعماء العرب طيازها ملزقه بدابل سوبر جلو بكراسيها لا راي عام و لا ... راح يزحزحها وباقي الدول الغير عربيه شو بتساوي ؟؟ محادثات ولك الله يلعن هيك محادثات على مفاوضات على اجتماعات على مؤتمرات...
على كل حال سيبنا من هالتخابيص

اماالمقطوعه فهي غايه في الروعه وبس

5ajol يقول...

ربما كمتفرج معك حق
نحن فعلا طورنا "جلدا سميكا" وباتت القنابل أصوات وخبرا عاجلا
الا أن اهل غزة مازالوا يرتطمون في الجدار ارتطاما لا نهاية له

عـلا - من غـزة يقول...

اول اشي هاي اول مرة باجي هنا

تاني اشي لازم اعترف .. اسم المدونة هو الي شدني اكتر اشي عشان ادخل
لأنو كل شي حوالينا صار زفت عنجد

تالت اشي صح مقولة زياد الرحباني
.. بس هالمرة الصواريخ ما بتعطي حد فرصة انو حتى يستناه! حاجة كدة بتيجي زي القضا المستعجل زي ما بيقولو في مصر

رابع اشي .. المعزوفة عنجد ساعدتني في الحصول على بعض الهدوء النسبي .. يسلمو عليها

خامس اشي .. فش خامس اشي
بس تحياتي

زفت يقول...

الليدي طمطم

مش متفائل بس كنت بهديك اللحظة عم بسم عزمي بشارة ولما بسمع هذا الرجل أصبح متفائلا

خجول

لا أظننا طورنا جلدا سميكا لانه ان شخصيا نزلت الى مظاهرة لأول مرة منذ وقت طويل...لاني كنت يائسا من كل شيء لكن أن نكون يائسين في هذا الظرف هو برأيي هزيمة داخلية مرة...لقد استطاع هذا الظرف ان يخترق سماكة جلدي التي طورتها منذ ان تخرجت من الجامعة التي كنت فيها ناشطا سياسيا

علا- من غزة

سألت نفسي طويلا بعد كتابة هذا التدوين إن كان ملائما ان أبحث عن هدوء نسبي في الموسيقى في هذا الظرف

ما قلته حول بعض الهدوء التي سببته لك المقطوعة أسعدني جدا جدا جدا...بشكل نسبي

شكرا لك

أنا مش أنا يقول...

لا أعتقد بأن هذا الهدوءالنسبى يمتد ليشملنى ،ويشمل المناطق المجاورة لى .

فكل دقيقة تمر طائرة ،أو قذيفة، أو صاروخ ،يعبرون فيه عن رفضهم أن تخضع المنطقة بمن فيهم أنا لهذا الهدوء .

ولكن ،ما زلنا قادرين بالخروج من تحت الركام لرفع شارة النصر عالياً فى السماء.

تحياتى عزيزى

بكريه يقول...

هذه هي خمس دقائق تحضير القهوه، لمن لم ينسى :)

زفت يقول...

أنا مش أنا

ماذا اقول لك ابو شريك غير تمنياتي لك ولعائلتك ولكل اهل غزة بالسلامة والنصر


بكرية

اذكرينا في ملكوتك (يعني بدي فنجان)

بكريه يقول...

(وفي الخلفيه أصوات صواريخ وطائرات مصتنعه -هنا قد نجد نفعًا لبث الجزيره المباشر للاجتياح الحالي- لديّ خمس دقائق من الهدوء النسبي لتحضير القهوه، ولديك نفس المدّة الزمنيه للانتظار)