الأحد، 24 أكتوبر، 2010

انا وتينا في حمص لينا



من سكن بالقدس ولا يعرف "حمص لينا"؟ ذاك الصرح الغسترونومي الشهير في البلدة القديمة والذي يحج اليه محبي الحمص من كافة أرجاء المعمورة. ذاك الملاذ الأمين للمفلسين من الطلاب أمثالي الذين كانوا يحتالون على معدتهم طوال الاسبوع بمأكولات الجامعة التي لا طعم لها ولا رأئحة أو بما رخص ثمنه من الشطائر وأرغفة الفلافل التي يمكن استعمالها لصلابتها ككرات للعبة الطب طاب (او البينغ بونغ كما يسميها أشقاءنا الغربيين) فيأتي يوم الجمعة المنتظر ليجتمع الاصحاب ويمدون خطاهم المفعمة بالبهجة الى "لينا" حيث يكفي صحن حمص واحد يجلس في قاع المعدة كسكبة باطون مسلح تجعلك تكره الاكل الى يوم الأحد وتزيد حاجتك الى النوم وقلة الحركة وتصاب بحالة إنسطال طبيعي فتضرب عدة عصافير في صحن واحد.

وإذا كانت "تجربة" أكل الحمص سياحية لرواد "لينا" من الفرنجة يغلب عليها طابع الاستكشاف وإبداء الدهشة العارمة ازاء مهارة الشرقيين في قحف صحنهم ببعض اللقم فقط ومحاولة التغلب على الشعور بالاشمئزاز من فكرة ملامسة أطراف الأصابع ل"نسيج" هذه الأكلة, فإن أكل الحمص لدى "لينا" بالنسبة للصعاليك أمثالي كان مفعما بطقوس مثل الإرتخاء الكامل بعد الصحن ريثما يأتيك كوب الشاي بالنعناع وبينما تشعل سيجارة ببطء و"تشفط" أول نفس بنهم ومن ثم تفك زر البنطال وابتسامة بلهاء ترتسم على وجهك.

لكن وكما يقول المثل العربي الاصيل "طول عمرك يا زبيبة وبطيزك هالعودة". كانت المشكلة الجوهرية في الوصول الى لينا هي المعاكسات التي تعاني منها الزميلات من بعض شباب القدس مما جعلهن يتنازلن عن هذه المتعة في كثير من الاحيان, وجعلنا نفقد متعة اصطحابهن ومراقبة محاولات بعضهن اليائسة لتغميص الصحن بلباقة ودون توسيخ الأصابع. لكن شاء القدر ان تطلب مني فتاة نمساوية الأصل كنت قد تعرفت عليها جديدا ان أرافقها الى حمص لينا بعد ان سمعت الكثير عنه وشائت كما يبدو ان تمر بتجربة اوثنتيك (أصلية) تسردها ذات يوم لأحفادها وحفيداتها أمام موقد دافيء في ليلة شتاء باردة في فيينا. وافقت على عرضها ولم أخش ان أعاني الامرين من "تسميع الحكي", ذلك ان تينا لم تكن ذات حسن, لحسن الحظ, كما انها لن تفهم المعاني والإيحائات الرقيقة التي يتفوه بها اولئك الدواب, كابوس اي فتاة.

في اليوم والساعة المحددة وقف عبدكم الفقير على مشارف باب العامود يمد النظر باحثا عن النمساوية, بينما كان المكان يعج بالعامة والمركبات في عز الظهيرة, فكان ان رأيت سحابة من الغبار تقترب نحوي بسرعة وتبدو في وسطها راية زرقاء تتماوج فبدى لي انها مظاهرة عارمة ضد الاحتلال البغيض فقلت في نفسي "ها هي القدس تقوم من رمادها كالعنقاء" وهممت أن انشد "يا قدس إنا قادمون" لكني أمعنت النظر في الراية الزرقاء فبدأ هاجس مخيف يوسوس في صدري فأسكته, ثم أمعنت النظر مجددا لكني أحجمت إذ خيل لي أني أرى مشهدا تصطك له الاسنان وتشيب له الولدان ففركت عيناي لعدة لحظات كمن يحاول محو ما رأتهما ولم أتوقف إلا عندما سمعت كلمات أكدت لي فداحة موقفي.


"هاي....هل تأخرت عليك؟"

أول ما رأيت عندما فتحت عيني كان ولدا في الثامنة في عمره, خلته غليظ الملامح شريرا, يشير اليها وإلي ويضحك ملء شدقيه كالرداحات, ثم يمسك بطنه الصغيرة الشريرة ويقهقه, وحوله في وضعية مماثلة عشرات من الاجيال المقدسية الصاعدة والتي يعرف عنها ان لسانها اطول منها, منهم من يحمل شنطة المدرسة على ظهره ومنهم من يركب على دراجته وواحدة تجر اختها الصغيرة معها, كلهم ملتفون حولنا كأنهم يلعبون "فتحت الوردة...غمضت الوردة" وكنا انا وهي في قلب الوردة.


كانت تينا – الله يسهل عليها وعلى جميع أحبائنا في الداخل والخارج – أقول كانت تينا قد قررت
كما يبدو أن تصبغ شعرها القصير باللون الأزرق الفاقع لسبب ما لم أفطن ان أسألها عنه, مع إني والحق يقال لم أجد أي مناسبة تستحق مثل هذا الفعل الابداعي
وددت ان أرد سلامها بأحسن منه فقلت:

"واط ذا فاك تينا... هل صبغت شعرك باللون الازرق الميتال (المعدني)؟"
"Dah …obviously" (أي: ويحك ألا يبدو ذلك جليا؟)
"الله يوخدك ويوخدني معك...it looks nice on you .but you know …its not so acceptable here"
"don’t worry…they’re only some little kids"

نظرت الى الكواسر الصغار المحيطين بنا وأشفقت على نفسي من مسيرة الالام التاريخية التي تنتظرني لاني أكاد أجزم ان البلدة القديمة لم تشهد أمرأة ذات شعر أزرق تتسكع في أزقتها منذ أيام صلاح الدين وحتى أيامنا هذه ولكن كما يقول أولاد عمنا "دائما هناك مرة اولى". ترائت لي صفحات الجرائد وعناوينها الصارخة "القدس تقول لا للشعر الازرق" أو "حماة الاقصى يتصدون لمحاولة المساس بمقدسات الامة" فقلت في محاولة أخيرة لمنع الضرر "هناك مطعم لطيف قريب من هنا يمكن ان نذهب اليه بدل ان نمشي كل هذه الطريق في هذا الجو البارد".
"no I want to go to homos Lina"

ايتها المجنونة لقد كشفت لهم جهتنا المقصودة وبالفعل بدأ العفاريت الصغار في تناقل المعلومة بينهم وتدارس كيفية أحكام قبضتهم حولنا, فبدا لي أن افضل ما أفعله هو التحرك السريع لإفشال خططهم, فأمسكت زرقاء اليمامة من ساعدها و"شحطتها" بسرعة نحو الدرجات المؤدية لمدخل باب العامود وبالفعل باغتت خطوتي هذه غالبية الصغار الذين يفتقرون الى دهاء الكبار وحنكتهم فتراجعوا عن ملاحقتنا ما عدا زمرة من المثابرين الذين عرفوا بفطرتهم ان هذه الفرصة لن تسنح كل يوم فاسرعو الخطى ورائنا ولسوء الحظ كان المدخل مزدحما ففقدت القدرة على المناورة وأسلمت أمري للقضاء والقدر ريثما لحق بي الموكب وبدأ في مراسيم الزفة مجددا وبإصرار أكبر هذه المرة نظرا لحنقهم إزاء محاولتي حرمانهم من هذه التجربة التعليمية الممتعة التي سيكون من شارك/ت فيها بدون شك محط اهتمام أقرانه/قريناته في الصفوف الابتدائية غدا.

وقد تفنن أولاد/بنات الابالسة في السخرية منها ومن مرافقها وابتداع أقذع الشتائم والايحاءات الجنسية التي وددت لو أكتبها في دفتر ملاحظاتي لقوة سبكها وجزالة لفظها وغزارة وصفها فتارة يتساءل أحد الصبيان عما إذا كان اللون "يحل عندما تعرق" وطورا يستوضح اخر عما أذا كان "كمان شعرها تحت بنفس اللون؟" فتجاهلت كل ذلك منتحلا شخصية أجنبي لا يفهم العربية عملا بنصائح المناهج التي قرأتها في موضوعة النيو ايج حول قوة "الاقناع الذاتي" فكدت ان اقتنع بان أسمي هانس وأن زالتسبورغ هي مسقط رأسي تحديدا وإني محاط بجمع من ال locals الى أن انتبهت ان أحدى الصغيرات كانت تشد جانب بنطالي فقربت رأسي منها فسألتني" "عمو ليش هاي الهبلة ملونة رأسها؟"
"عمو أكيد ماما عم بتدور عليكي حبيبتي...ليش مش مروحة"
نظرت الي نظرة ازدراء وقالت بقرف واضح "بدي أتفرج زيي زي غيري ولا يعني علشاني بنت" فأكدت لها انها محقة في موقفها لان المساواة قيمة عليا ويجب ان تكون على طول الخط, وطول الطريق الى حمص لينا.

لكن ولانشغال الناس بأمورهم والبياعين ببسطاتهم, لم تحظى التظاهرة التي احدثها شعر تينا بالمد الشعبي المرجو فتفرق المتظاهرون وعادوا الى قواعدهم سالمين وبقينا أنا وتينا واقفين على مشارف بوابة باب العامود "نسبح في الوغى" بين الجمع والأجساد ملتحمة فلا تدري يد من تداعب مؤخرتك واين يكمن رأس الاخ المتكيء على كتفك لكنني لم أتذمر وكيف أفعل وانا من مشجعي ظاهرة الالتحام العضوي المفقودة في بلادنا. اما تينا فكانت سعيدة لسبب ما وكانت تنظر الي ممتنة بين الفينة والاخرى لسبب ما لم أعرفه. بقينا على هذه الحال, نتدافع بين الحشود, الى ان لاحت الفرصة للتسرب من فتحة جانبية بعد عدة امتار من البوبة تفضي الى ساحة صغيرة, فاقتنصناها.

وهكذا ولأول مرة في التاريخ دخلت فتاة زرقاء الشعر الى القدس القديمة من أوسع أبوابها.

• * *

كنت أنظر الى تينا مشدوها وهي منكبة على تنظيف صحن "الحمص مع صنوبر" الثاني الذي فتكت بمحتوياته خلال بضع دقائق بينما كانت تشير بإبهامها الى أعلى بين الفينة والأخرى
"اوه ه ه .....فانتاستك"
" واضح انك احببت الحمص"
"وكيف لا أحبه...فهو خفيف على المعدة”
فككت زر البنطال واسندت ظهري الى الخلف, ثم أشعلت سيجارة ونفخت دخانها بإتجاه سقف المطعم ريثما تنتهي تينا من صحنها, وبدأت أشعر بالغيظ ازاء هذا الزحف الإستشراقي الذي لم يبقي على شيء من شره, ولا حتى الحمص
.