الاثنين، 25 مايو، 2009

يوريكا



عندي ابن عم قاعد بالدنيا بس عم بستهلك اوكسجين وليس منه اي فائدة تذكر للإنسانية او حتى لمحيطه المباشر, لكن امبارح ونحنا قاعدين بالجنينة نلعب هاند ريميه نزل عليه الوحي فجأة فترك بز الارجيلة وسكت وحملق في البعيد ولاحت على خلقته بوادر التفكير العميق فبدينا كلنا نقلق...بعدين فتح تمه وقال:


"إلي مالوش بالحمص ...ميقربش عالمسبحة"


بعدها لقط البز بشفافه مجددا وكمل يسحب دخان النرجيلة وكأن شيئا لم يكن.


ادركت فورا اني شاهد على لحظة تجلي تاريخية بالظبط مثل اللحظة الي وقعت فيها التفاحة على راس نيوتن او رفعت المياه جسد ارخميدس في البانيو, بغض النظر عن نتائج وتبعيات كل لحظة.


أراهن على كل ما أملك ان أحدا ما في التاريخ بداية بالانسان النياندرتال والى يومنا هذا لم تخطر على باله ولم يتفوه بهذه الحكمة التاريخية مما يدحض نظرية افلاطون ان اي فكرة وردت في ذهن الانسان فكرها قبله انسان اخر (ذلك ان هناك عالم قيم ومثاليات قائم بذاته).


كانت هذه بحق لحظة تاريخية...ساثمنها الى الابد.

الأحد، 17 مايو، 2009

كان يبصق قهره


اذكر جيدا ان الاسرة كانت "تخبيء" جدي الذي كان في اواخر عمره في احدى الغرف عندما كان هناك ضيوف في الانتظار. كنت اعجب حين ارى ابي او احد اعمامي يسانده في المشي الى الغرفة او يحمله ان كان غاطا في نوم عميق ثم يخرجون من الغرفة وحدهم ويغلقون الباب دون تعبير خاص الا شبح ابتسامة, عرفت فيما بعض انها ابتسامة ترقب لما يمكن ان يحدث بعد قليل او استذكار لما حدث في زيارة سابقة.

كان الضيوف يدخلون وتبدأ الاحاديث العادية والمجاملات وتوضع المكسرات والتضييفات ويتبادل الحضور الاسئلة عن المستجدات منذ اللقاء الاخير وعن فلان وعلنتان, ويلف الناس ويدورون لكن لا بد ان يدخلوا في السياسة اجلا ام عاجلا. وهنا كان عمي الاكبر – ان كان حاضرا- يرفع كتفيه قليلا وتشتد عضلات وجهه ترقبا بينما يخفض عمي الاصغر وجهه بحيث لا يمكن رؤية تعابيره.

- شو رايك بما يحدث في الضفة.
- والله العرب ما بس...
- تففوووو (خارجة من الغرفة المغلقة حيث جدي)

يسقط صمت ثقيل.
يهتز كتفي عمي الاصغر قليلا.

يلتقط احد اعمامي او ابي طرف الحديث المقطوع ويغيرون الموضوع, بينما تستمر الدهشة قابعة في وجوه الضيوف اذ انه لا مجال للشك في الكلمة التي صدرت اذ ان مصدرها يضغط جيدا على الحروف وخاصة الفاء ويحمل صوته نغمة القرف واضحة.

بعد دقائق تعود الامور الى نصابها, اذ يفسر كل من الحاضرين – في داخله – الصوت بشكل مختلف اذ لا بد انه لا علاقة مباشرة له بوجودهم او بالمحادثة اذ ربما يكون من بالغرفة مريضا بالزكام ومن المؤكد انها مجرد صدفة.

على اي حال, يستمر الحديث ولكن في لحظة مشؤومة قد يقول احدهم:

- لا يمكن اتهام الانظمة العربية بالتخاذل اذ.....
- تففووو


او قد يقول اخر:
- لا فائدة ترجى من العرب ولا...
- تففووو

عندها يحدث في العادة احد امرين: اما قد يشعر الضيوف بالاهانة فتقصر زيارتهم بشكل فجائي ويحمر وجه عمي الاكبر وهو يسلم عليهم عند المغادرة ثم يبدا بالصياح على جدتي لانها لم تقنع جدي بالتوقف عن هذه العادة السيئة التي "سودت وجه العائلة" ويطالبها بعدم مناداته من بيته في حال زيارة اي ضيوف في المستقبل, واما ان يستحوذ الموقف على انتباه الضيوف فترى ايقاع الكلام قد هدأ ترقبا وطالت فترات الصمت بين المحادثة والاخرى, وقد يصدف ان تصدر كلمة او جذر "عرب" مرة او اكثر وبعددها تسمع "تففووو" كل مرة, وقد لا تصدر, كل ضيف وحظه.

انا شخصيا كنت افضل النوع الثاني من الضيوف لانه لا حاجة برايي للشعور بالاهانة "كل ما دق الكوز بالجرة" كما تقول جدتي, كما ان البعض ممن لا يفتقرون الى حس الفكاهة كان يجد الامر طريفا فتراهم حين يسلمون على اعمامي يهمسون "سلمولنا عليه كثير" او "والله معو حق". هؤلاء كان وقع زيارتهم على اعمامي خفيفا ولذا لم يعاني جدي او جدتي من اللوم بعد انقضاء الزيارة عادة.

احد الايام عندما كنت وحدي في السيارة مع ابي سالته عن سبب تصرف جدي ولماذا هو غاضب الى هذا الحد على العرب. بعد صمت قصير اوقف ابي السيارة في جابب الطريق ثم سالني ان كنت اكره جدي او اخجل فيه. قلت له انني احب جدي كثيرا لكنني اكره كيف يخبؤونه هو واعمامي في الغرفة واني اعتقد انه هو يخجل بسببه. لم يتكلم ابي ولم يرد وانما استمر بالقيادة لكنه تفادى النظر الي.

بعد ايام وبينما كنت ادرس في غرفتي دخل ابي ثم اغلق الباب وراءه. جلس على طرف السرير ثم حكى لي عن "النكبة" و"النكسة" وكيف عايش جدى الاثنتين فتحمل الاولى لكن الثانية كان وقعها عليه مدمرا. قال لي ان جدى كان اكثر اهل البلد اعتزازا بعروبته ووطنيته وكان يحب عبد الناصر الى حد انه كان يمنع الحديث بتاتا في البيت عندما كانت اذاعة "مصر العربية" تبث خطابات الاخير, وكيف صرف من مدخراته لشراء مذياع وضعه في البيت لانه كان يغضب من التعليقات التي تصدر من السامعين في البقالة او المقهى بل وصل الامر الى حد الشجار بينه وبين من كان يشكك في اي من اقوال عبد الناصر.


وبدأت حرب الستة ايام وعاشت اسرة جدي والجيران حول المذياع. وضعوا المذياع في الصالون وفرشوا وناموا واكلوا وشربوا حوله. وتوالت الاخبار المفرحة من اذاعة مصر عن الانتصارات العربية الساحقة. جدي كان يخرج من الشرفة املا في رؤية فيلق مصري او عربي على مشارف البلد لكن جدتي كانت قلقة وفي الليلة الخامسة قالت لجدي : " مش حاسس انو بتهبلو علينا زي ال 48؟". جدي قال: " مش عبد الناصر, بعملهاش".

في اليوم السادس وبعد ان انكشف حجم الماساة, ظل جدي رافضا ان يصدق ما حدث وجلس امام المذياع ينتظر خطاب ناصر. جاء خطاب الهزيمة وانتهى تاركا جدي جالسا امام المذياع الى الصباح وجدتي تخرج من غرفة النوم, تنظر اليه من الخلف ولا تجرؤ على محادثته. في الصباح قام جدي من امام المذياع ثم توجه الى غرفة النوم, وقف على الباب وقال لاهل البيت: "داخل انام, متفيقونيش", ثم اقفل الباب خلفه ولم يخرج منها الا بعد ثلاثة ايام. جدتي كانت تقول دائما انه لم يخرج من تلك الغرفة ابدا.

"اما "تففففووو...." قالها ابي مقلدا طريقة جدي "تففووو قالها لما وقعوا معاهدة كامب ديفيد واستمر فيها حتى اليوم زي ما بتعرف". توقف ابي عن الكلام ثم ابتسم " بتعرف انا بفكر انو لسا بتابع اخبار العرب بالخفية مع انو عامل حالو مطنش".

ومر الوقت وايقنت ان جدي لن يغير من رايه ابدا في قناعاته حتى ذلك اليوم الذي اجتمعت فيه الاسرة في بيت جدي لتسمع اخبار الليلة خاصة ما يحدث في الضفة الغربية وغزة بعد اندلاع ما سمي بالانتفاضة. خيل لي في لحظة ما ان جدي الذي كان في غرفته قد اطل براسه من الغرفة. تظاهرت بالنظر الى الشاشة حتى لاح بالكاد رأس جدي من غرفته وكان يسترق السمع. رفعت صوت التلفاز حتى اسهل له العملية. جدتي قالت بصوت هامس دون ان تزيح نظرها عن النشرة : "صارلو كم يوم مهتم بهالانتفاضة".

بعد بضعة ايام كان جدي جالسا بيننا يستمع الى نشرة الاخبار ولم تصدر عنه "تفففووووو" واحدة وكان الامر غريبا في نظري.

توفي جدي سنة 1989 وهو جالس على اريكة الصالون بعد ان تابع نشرة الاخبار وسمع للمرة الاخيرة في عالمنا عن الانتفاضة وارادة الشعب الفلسطيني والافق الجديد والخطاب الذي كان مشبعا بالتفاؤل والتوقع بانهاء الاحتلال لا محالة.

توفي جدي قبل اوسلو والحربين على العراق وقبل غزة واريحا اولا وقبل السلطة ومناطق A-B-C وقبل الاغتيالات والعمليات التفجيرية وقبل السور الواقي ومذبحة قانا ومذبحة جنين والحرب على لبنان وقبل الانقسام الفلسطيني وانابوليس وقبل حصار غزة. توفي قبل هذا كله ولم يدعهم يضحكون عليه للمرة الثالثة.

بعد وفاته بقليل توفت جدتي وباع اولادها لبيت ولم نعد نجتمع مع اعمامي واسرهم الا في المناسبات العائلية. دائما في هذه المناسبات يفتح ابي واعمامي سيرة السياسة ودائما يتذكرون "تفففوووو" جدي وكم كان وقعها خفيفا على قلوبهم الا في حال وجود الضيوف.

اما انا فما زال ينتابني خوف شديد كلما دخل ابي الى غرفة النوم مربد الوجه بعد نشرة اخبار وكلما تاخر في الخروج صباحا من غرفة نومه.

الثلاثاء، 12 مايو، 2009

احتجاج يا سعادة الحاج

بابا

مسموح اناديك بابا؟ ولا منرفعش الكلف ونخليها "البابا" أو نتعامل بالرسميات عالاخر ونسميك الحبر الاعظم؟
انا مش فارقة معاي لأنو ينظري انت ختيار في الثمانينات رجل بالقبر ورجل بتقول باي باي. هلأ اذا بعد ما منموت انا وياك – بتأمل بعد عمر طويل إلي وإلك – منصير أكل للدود ولا بنلاقي اشي بعد هالحياة- هاي لا أنا ولا انت منعرفها, ولذلك من ناحيتي انت ختيار بتنقاس بمزاياك زي ما بتنقاس مزايا اي رجل تاني. بيقولو انك بتحكي تسع لغات ومعك اكتر من دكتوراة, بس بتعرف انت نحنا العرب منبهر كلشي, وانا بعرفكاش شخصيا فخلينا نتعامل بنص رسميات وأناديك أستاذ "بابا", عشان هون بالقدس درجت انو تنادي شخص بتعرفوش "استاذ" أو "ياخي" (تلفظ يخي بكسر الخاء), وطبعا مش ممكن اناديك "يخي بابا".

اكيد لاحظت انو كلمة "قداسة" ما وردت بين الاحتمالات وهاد مش من باب "سقط سهوا", وانما سقط عمدا وعن سبق الاصرار والترصد. في سؤال كتير كبير حول ناريخ مؤسسة الكنيسة الي انت يتمثلها ودورها الأسود في كتير حقبات تاريخية, مثل محاكم التفتيش واضطهاد الافليات ومحاربة العلماء وغيرو وغيرو. في سؤال عقائدي كبير كتير كمان حول الكنيسة وتعاملها مع مواضيع تمس لب العقيدة المسيحية مثل الملكية الشخصية والبذخ والترف مقابل حياة التقشف الي عاشها المسيح, وحول مفاهيم اساسية في المسيحية مثل مفهوم الصلاة ومفهوم الكنيسة بحد ذاته وغيرو وغيرو. كمان بزعجني في المؤسسة الي انت بتمثلها انها جدا محافظة ورجعية وغير منفتحة, ومش عبث انو كتير ناس عرفت عن دينها من "شيفرة دافينشي" كثير حقائق كانت تحت الكتمان مع انها اساسية مثل دور المرأة التاريخي الي قمعته المؤسسة الكنسية (وان كان كثير تفاصيل اخرى يشملها الكتاب وهمية).

الخلاف التيولوجي مش موضوعنا بس الي حبيت اقوله انو في نظري المؤسسة الي انت بتمثلها ما بتمنحك اي أفضلية عن اي سياسي او رجل دولة اخر بزور هالبلد.

متفهمنيش غلط انا معنديش اي اعتراض على مبدأ الزيارة. مش بس هيك انا كمان بتفهم مشاعر كثير من الناس الي بتعتبر هاي اللحظة لحظة تاريخية بما انك الراعي والصخرة وانو خروف ما بحبش يشوف الراعي ويحتمي بالصخرة. المشكلة انو هاي الزيارة الي انت بتصر تسميها "زيارة حج دينية" عملتلي انا شخصيا وجع راس جامد. فيش حد الا ومحتج على هالزيارة أو محتج على المحتج على هالزيارة:

اليهود محتجين انك ما اعتذرتش عن سكوت الكنيسة عند ارتكاب النازية للمحرقة, الي مش يهود محتجين انك زرت حائط المبكى و "يد فشيم".

المسلمين محتجين انك ما اعتذرت كفاية عن الي قلتو في محاضرة عن الاسلام, والمسيحيين بيقولو انك فسرت الموضوع ومش لازم تعتذر وانو كثير من العلماء المسلمين بتهجموا عالمسيحية وما بعتذرو.

الطوايف المسيحية محتجين انو عدد التذاكر الممنوح للطوايف المش كاتوليكية مش كافي وان الناس الي اختاروهم بالقرعة علشان يتناولو من ايدك بمثلوش وجهاء البلد وانو الواسطة اشتغلت وانو وانو وانو.

وكلو شغال الله وكيلك يا استاذ بابا....الناس انصرعت.

هلأ بما انو المنبر مفتوح للأحتجاج فخليني برضو انا اسجل بعض الاحتجاجات:

احتجاج رقم 1: شو معناتو التوقيت الحالي لزيارتك لاسرائيل الي عم بتحاول تجند اي تأييد عالمي وأكيد زيارتك هي مكسب كبير الها.

احتجاج رقم 2: يعني ليش لازم تيجي بنص الاسبوع بلا مؤاخذة واضطر انا علشان اوصل شغلي الف السبع لفات؟

احتجاج رقم 3: وين نروح نحنا الكفار او النصف كفار او العلمانيين او الضايعين بهال تلت ايام الي فيهم رح يطغى وجودك عهالبلد الي مش ناقصها إلا زيارتك.


كيريا ليسون


ودمتم بكل ود
خروف بلا راعي

الثلاثاء، 5 مايو، 2009

وما أدراك ما ال LINGUISTICS


عندما بدأت أتعلم العبرية مجبرا بعد نقلي قسرا من مدرستي في القدس الى الصف الثامن في مدرسة جديدة في الجليل, شجعني جميع المعنيين موضحين أن اللغة العبرية والعربية اختين. وبما انني اعرف الأخت الأولى - فلا بد أن طريقي للثانية ستكون أسهل. قياسا على تجربتي مع بنات الجيران سلمت بصحة بهذا المنطق وعكفت ملء طاقتي على تعلم هذه اللغة وكانت البداية جد موفقة.


-أنا بتصير .....
-اني
-أنت بتصير...
- أته
- ممتاز

لكنها تعقدت, كما تتعقد دائما عندما تدخل (تقتحم) الأنثى الى الصورة.

- أنتي
- اتي
- لأ يابا يا حبيبي, قلتلك ميت مرة إلغيلي الياء من تفكيرك عند استعمال الضمير, ماشي؟
- حاضر
-إذن أنتي شو؟
- أته
- لا حول الله يا ربي. لا يابا ركز بنفعش هيك. أنتي بتصير "ات".
- مثل "الغضب الساطع ات"؟
- لا مثل الكف عا نيعك ات. بكفي زناخة مش فاضي لزناختك (يخفي أبي شبح ابتسامة). خلينا نكمل. الفعل اذهب بالعبراني شو هو؟
- ليخ.
- كيف نقول انا أذهب الى المدرسة؟
- اني هولخ لبيت هسيفر.
- طب ضمير الغائب "هو"؟
- بتصير هو
- "هي"؟
- .........
- شو بتصير هي؟
- ..........
- بعدين معك يا ولد. بتصير "هي"
- ما انت قلتلي انسى الياء مع ضمير الانثى
(تدخل امي الى الغرفة)
- خلي عندك ضمير يابا. قلتلك انسى الياء في ضمير الاشارة مش الغائب.
- ليش يعني؟


سكت ابي ثم نظر الى امي خبيرة البيت للغة العربية, ثم غمزني.

- صحيح ليش يا نوال ضمير الغائب غير شكل؟

دون ان ترفع نظرها عن الغسيل المفروش على الطاولة اجابت والدتي:

- عشان الغايب حجته معه.

اتعبتني اللغة العبرية رغم موهبتي في اللغات بشكل عام. ربما كان الامر مرتبطا ذهنيا بالسياق العنيف الذي صادفتها فيه عادة خلال الانتفاضة الفلسطينية الاولى في شوارع القدس, حيث كنا نردد احيانا صيغ الاوامر التي كنا نسمعها احيانا في باب العامود وباب الجديد – حيث مدرستي القديمة – من الجنود المتعرضين للمارين. صيغ أوامر مثل "بو" اي تعال, ليخ أي اذهب, "كيلف" أي كلب, ناهيك عن السباب الذي يرتكز اصلا على اللغة العربية لقوة تعبيرها التي اكتشفها ابناء عمنا (بالمناسبة من اين أتت أبناء عمنا هذه؟) فتحول قاموس هتك الاعراض لغويا – وبالعربية دون غيرها - الى جزء لا يتجزأ من أسرائيليتهم.

عودة الى اللغة العبرية. ان احد اهم مشاكل هذه اللغة حسب رأيي تشابه بعض الفاظ الكلمات الى حد اختلاط الامر على السامع. المشكلة ان الخلط بين هذه الكلمات قد يترك انطباعا سيئا ويخلق حساسية زائدة في غير مكانها.

مثلا كلمة عرب. "عربيم" برفع الراء. ولكن لفظ "عربيم" يعني ايضا امسيات وهو ايضا برفع الراء. ناهيك عن الكفلاء وهي "عربيم" بكسر الراء (كلمة تعرفت اليها مؤخرا بسبب حملة إعلان). في اغلب الاحيان يميز المعنى لهذه الكلمة من السياق (قال ابي هذه الكلمة وفسر لي معناها ولكني نسيت) أي بعد سؤال احد الكبار.

لست من الذين يرون إهانة لشخصهم في كل مكان ووراء كل كلمة. لكنني تضايقت وبصراحة من إعلان لأحد البنوك الذي كتب على الباصات العمومية "تعال إلينا دون الحاجة الى "عربيم"". اختلط علي الامر فرجعت حينئذ مستعجلا الى البيت وانتظرت عودة والدي الى المنزل وسألته فورا قبل ان يضع شنطته:
"كيف قبلوك في البنك وانت عربي؟".

هدأ حالي عندما فهمت ان القصد هم الكفلاء أي أناس اخرين يعيشون معنا في هذه البلاد. الكفلاء يدفعون الدين اذا لم يدفعه صاحبه. وفي هذا السياق - والشيء بالشيء يذكر - اذكر جيدا عندما لحق بي صاحب الدكان اليهودي وامسكني من رقبتي واخذ يصرخ قي وجهي أشياء لم افهم منها الا كلمة "عربي" و "اباك" و "جناف" عي "سراق" و"ايفو هكيسف" أي اين النقود. احد الشباب العرب اخذ يترجم لي (الله يكثر من اولاد الحلال) ولم يتناسى –مشكورا – الشتائم وهي "جزء لا يتجزء" من الكلام. كم كنت محتاجا الى كفيل من قوم الكفلاء عندئذ ولم اجده فصفعني صاحب الدين صفعتين (واحدة عن كل سيارة سرقها ابن عمي – مشكورا) واقفل راجعا الى دكانه – مشكورا, وفي طريقه قال شيئا بصوت عال سمعه المارين في الشارع وترجمه لي المترجم الامين مشكورا:
"انتم العرب تتعلمون السرقة من صغركم"

لم ادري لماذا لم ابكي حين صفعت, بينما بكيت جدا عندما قال جملته الاخيرة. ابي يكلمني دوما عن الكرامة, وفي فيلم الاكشن الاخير الذي رايته سالت ابي كيف تحول البطل الى بطل بعد ان كان بصلا (احدى الاجابات المحتملة هي ابو الحروف), فقال لي ابي انهم اهانوا كرامته ثم اردف: المثل بيقول "ادعس على الكلب بعوي". لم افهم تماما ما يقوله فالكلب يعوي حتى ولولم تدعس عليه وبالأخص كلب الجيران "اللي ماخذها هواية" كما تقول امي. المهم اني احسست عندها بالاهانة لكنني لم أتحول الى بطل.

كلما تذكرت تلك الحادثة اتضايق واتخيل انني أرد عليه قائلا " ابن عمي هو الذي سرق" فيكف عن ضربي ويكف ذلك الطبل عن الترجمة.

اخ لو كنت درست بصورة افضل. لكن لا بأس اذ انني تعلمت درسي.لقد فهمت انه علي ان ابذل جهدا اكبر لاتعلم العبرية.